أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
300
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
به أنفسهم ، فلا محلّ ل « اشتروا » على هذا ، ويكون « أن يكفروا » على هذا القول خبرا لمبتدأ محذوف كما تقدّم ، فتلخّص في الجملة الواقعة بعد « ما » على القول بنصبها ثلاثة أقوال ، أحدها : أنها صفة لها فتكون في محلّ نصب أو صلة ل « ما » المحذوفة فلا محلّ لها أو صفة للمخصوص بالذم فتكون في محلّ رفع . وذهب سيبويه إلى أنّ موضعها رفع على أنّها فاعل بئس ، فقال سيبويه : هي معرفة تامة ، التقدير : بئس الشيء ، والمخصوص بالذمّ على هذا محذوف أي شيء اشتروا به أنفسهم ، وعزي هذا القول أيضا للكسائي . وذهب الفراء والكسائي أيضا إلى أنّ « ما » موصولة بمعنى الذي والجملة بعدها صلتها ، ونقله ابن عطية عن سيبويه ، وهو أحد قولي الفارسي ، والتقدير : بئس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ، فأن يكفروا هو المخصوص بالذمّ . قال الشيخ : « وما نقله ابن عطية عن سيبويه وهم عليه » . ونقل المهدوي وابن عطية عن الكسائي أيضا أن « ما » يجوز أن تكون مصدرية ، والتقدير : بئس اشتراؤهم ، فتكون « ما » وما في حيّزها في محلّ رفع . قال ابن عطية : « وهذا معترض بأنّ « بئس » لا تدخل على اسم معيّن يتعرّف بالإضافة للضمير » . قال الشيخ « 1 » : « وهذا لا يلزم إلا إذا نصّ أنه مرفوع بئس ، أمّا إذا جعله المخصوص بالذمّ وجعل فاعل « بئس » مضمرا والتمييز محذوف لفهم المعنى ، والتقدير : بئس اشتراء اشتراؤهم فلا يلزم الاعتراض » قلت : وبهذا - أعني بجعل فاعل بئس مضمرا فيها - جوّز أبو البقاء في « ما » أن تكون مصدرية ، فإنه قال : « والرابع أن تكون مصدرية أي : بئس شراؤهم ، وفاعل بئس على هذا مضمر لأنّ المصدر ههنا مخصوص ليس بجنس » يعني فلا يكون فاعلا ، لكن يبطل هذا القول عود الضمير في « به » على « ما » والمصدرية لا يعود عليها ، لأنها حرف عند الجمهور ، وتقدير أدلّة كلّ فريق مذكور في المطوّلات . فهذه نهاية القول في « بئسما » و « نعمّا » واللّه أعلم . قوله : أَنْ يَكْفُرُوا قد تقدّم فيه أنه يجوز أن يكون هو المخصوص بالذمّ فتكون الأوجه الثلاثة : إمّا مبتدأ وخبره الجملة قبله ، ولا حاجة إلى الرابط ، لأنّ العموم قائم مقامه إذ الألف واللام في فاعل نعم وبئس للجنس ، أو لأنّ الجملة نفس المبتدأ ، وإمّا خبر لمبتدأ محذوف ، وإمّا مبتدأ وخبره محذوف ، وتقدّم أنه يجوز أن يكون بدلا أو خبرا لمبتدأ محذوف حسبما تقرّر وتحرّر . وأجاز الفراء أن يكون في محلّ جرّ بدلا من الضمير في « به » إذا جعلت « ما » تامّة . قوله : بِما أَنْزَلَ اللَّهُ متعلّق بيكفروا ، وقد تقدّم أنّ « كفر » يتعدّى بنفسه تارة وبحرف الجرّ أخرى ، و « ما » موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره : أنزله ، ويضعف جعلها نكرة موصوفة ، وكذلك جعلها مصدرية والمصدر قائم مقام المفعول أي بإنزاله يعني بالمنزّل . قوله : بَغْياً فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه مفعول من أجله وهو مستوف لشروط النصب ، وفي الناصب له قولان : أحدهما - وهو الظاهر - أنه « يكفروا » أي علة كفرهم البغي . والثاني أنه « اشتروا » ، وإليه ينحو كلام الزمخشري ، فإنه قال : « وهو علة « اشتروا » .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 305 ) .